أصدرت الهيئة العامة لمحكمة التمييز في أبوظبي، بتاريخ 18/12/2025، في الطلب رقم (5) لسنة 2025 – هيئة عمال، مبدأً قضائيًا بالغ الأهمية يتعلق بتنظيم أحكام التقادم في المطالبات العمالية، بما يحقق توحيدًا للاجتهاد القضائي ويضع حدًا لحالة الجدل التي ثارت عقب تعديل قانون تنظيم علاقات العمل.

أولًا: الإطار التشريعي للتعديل

بموجب القانون رقم (9) لسنة 2024، عدّل المشرّع نص المادة (54/9) من المرسوم بقانون اتحادي رقم (33) لسنة 2021 بشأن تنظيم علاقات العمل، حيث مدّ مدة عدم سماع الدعوى في المطالبات العمالية إلى سنتين بدلًا من المدة السابقة، على أن تبدأ هذه المدة من تاريخ انتهاء علاقة العمل.

وقد أثار هذا التعديل تساؤلات عملية حول نطاق تطبيقه الزمني، خاصة فيما يتعلق بالحقوق العمالية التي نشأت قبل نفاذ النص المعدل ولم تكتمل مدة تقادمها آنذاك.

ثانيًا: مبدأ المحكمة بشأن سريان مدة التقادم

حسمت الهيئة العامة لمحكمة التمييز هذا الإشكال، وأقرت مبدأً قضائيًا ملزمًا مؤداه أن:

مدة التقادم المنصوص عليها في التعديل الأخير تسري على جميع المطالبات العمالية التي لم تكتمل مدة تقادمها وقت العمل بالنص الجديد، ولو كانت تلك المطالبات قد نشأت في ظل القانون السابق.

وبذلك قررت المحكمة تطبيق القاعدة العامة في الأثر الفوري للقوانين المنظمة للتقادم، باعتبار أن مدة التقادم تتعلق بالنظام الإجرائي لا بالحق الموضوعي ذاته.

ثالثًا: التفرقة بين مدة التقادم وبداية سريانه

ورغم تطبيق مدة التقادم الجديدة (سنتين)، فقد أرست المحكمة تفرقة دقيقة بالغة الأهمية، تأسيسًا على أحكام المادتين (6) و(7) من قانون المعاملات المدنية، مفادها أن:

  • مدة التقادم تخضع للنص الجديد المعدل.

  • بداية سريان التقادم بالنسبة للحقوق التي نشأت قبل نفاذ التعديل تظل محكومة بالنص القديم.

وعليه، فإن الحقوق العمالية السابقة على التعديل:

  • تُحتسب بداية التقادم لها من تاريخ استحقاق الحق،

  • وليس من تاريخ انتهاء علاقة العمل الذي استحدثه النص الجديد.

أما الحقوق التي نشأت بعد نفاذ التعديل، فتسري عليها القاعدة الجديدة كاملة من حيث المدة وبداية السريان.

رابعًا: الأثر العملي للمبدأ القضائي

يُعد هذا المبدأ القضائي خطوة مهمة نحو:

  • توحيد التطبيق القضائي في منازعات العمل،

  • تحقيق الاستقرار القانوني في المعاملات العمالية،

  • منع إسقاط حقوق عمالية لم يكن المشرّع يقصد إسقاطها،

  • ومنع إحياء حقوق سقطت بالفعل تحت مظلة القانون السابق دون سند تشريعي صحيح.

كما يعكس هذا الاتجاه القضائي توازنًا دقيقًا بين حماية الحقوق المكتسبة واحترام مبدأ الأثر الفوري للقوانين، دون إخلال بمراكز قانونية استقرت قبل التعديل.

خامسًا: الخلاصة

يمكن القول إن ما انتهت إليه الهيئة العامة لمحكمة التمييز يمثل اجتهادًا قضائيًا رصينًا يراعي مقاصد المشرّع، ويعزز الثقة في القضاء، ويشكّل مرجعًا ملزمًا لمحاكم الموضوع عند نظر المنازعات العمالية المرتبطة بالتقادم، سواء نشأت قبل أو بعد تعديل قانون تنظيم علاقات العمل.